محمد كمال شحادة
217
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
ففحص دمها فوجده مشحونا بالجراثيم القتالة . فخطا العلم بذلك الخطوة الثانية لمعرفة السبب الذي سبب هذا المرض بعد أزمنة متقطعة . ولا يسعني الوقت أن أبسط الكلام على ما فعله باستور في كشف حقيقة الجراثيم ، وكفاني أن أقول إنه تحقق أن هذه الجراثيم يمكن أن تربى في عصارة اللحم أو مرق الدجاج شهورا فتفقد سمها بعد ذلك فإذا طعّم بها حينئذ خروف أو بقرة أو حصان ، مرض مرضا خفيفا ونجا من آفة المرض الشديد . وطبقا لذلك طعم خمسة وعشرين خروفا بالجراثيم التي رباها على ما تقدم في اليوم الثالث من أيار سنة 1881 وأعاد التطعيم بعد أيام قليلة فمرضت كلها مرضا خفيفا . وفي آخر ذلك الشهر عاد فطعمها كلها بجراثيم لم يزل سمها في حدته الأصلية وطعم خمسة وعشرين غيرها بهذه الجراثيم أيضا ، فلم يكمل اليوم التالي حتى مات كل الغنم الذي لم يطعمه أولا وأما الأغنام التي طعمها فلم يمرض واحد منها . ومنذ بضعة أسابيع قام الدكتور كوخ الجرماني وهو الذي عرف ماهية علة هذا المرض واستعلم عن ماهية أمراض التدرن التي منها مرض السل ووجد أن علتها على ما يظن نبت صغير جدا أيضا هو النبت المعروف بالشلوس من النباتات التي تسمى بالبكتريا . وهذه أول خطوة خطاها العلم نحو معرفة هذه الأمراض الخبيثة المهلكة . هذا هو العلم وكل من سلك هذا السبيل وبحث عن علل الأشياء وعلّقها بعللها ، فعل فعل رجال العلم مهما كان فعله وضيعا واكتشافه صغيرا . فلكل مرض وعرض علة ، ولكل شر في الهيئة الاجتماعية علة ، وعلى الذين تهذبوا في المدارس وتمرنوا على معرفة العلل أن يتبعوا الأشياء ويكشفوا عللها . نعلم أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف علل أشياء متعددة من مطالب متعددة ، ولكنه إذا اكتشف علة واحدة ، فأحيا العلة ومعلولها معا ، فاكتشافه هذا خير من معارف عديدة لم تدخل دائرة العلم . وأن اكتشافه العلّة لمعارف قليلة وربطها بعضها ببعض